ابراهيم بن محمد البيهقي
201
المحاسن والمساوئ
قيل : ولما حضرت الحطيئة الوفاة قيل له : أوص . فقال : الشّعر صعب وطويل سلّمه * إذا ارتقى فيه الّذي لا يعلمه زلّت به إلى الحضيض قدمه * والشّعر لا يسطيعه من يظلمه يريد أن يعربه فيعجمه فقيل له : أوص للمساكين بشيء فقال : أوصيهم بالمسألة ما عاشوا فإنها تجارة لن تبور . قيل : أوص فقد حضرك أمرك . فقال : مالي للذكور من ولدي دون الإناث . قيل له : إن اللّه عز وجل لم يأمر بهذا ! قال لكني آمر به . فقيل له : أعتق غلامك يسارا الأسود . قال : هو مملوك ما دام على ظهر الأرض عبسي . قيل له : من أشعر الناس ؟ فقال : هذا المحجن ما أطمع في خير وأومأ إلى لسانه ثم جعل يبكي . فقيل له : ما يبكيك ، أجزعا من الموت يا أبا مليكة ؟ قال : لا ولكن ويل للشعر من راوية السوء ! ثم قال : أبلغوا الشماخ أنه أشعر غطفان على وجه الأرض ، وإن مت فاحملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم قط . وفي غير هذه الرواية أنه قال : احملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم قط لعلي أن أنجو ، ثم أنشأ يقول : لكلّ جديد لذّة غير أنّني * رأيت جديد الموت غير لذيذ له نكهة ليست بطعم سفرجل * ولا طعم تفّاح ولا بنبيذ ثم خرجت روحه ، فلما مات قال فيه الشاعر : لا شاعر ألأم من حطيّه * هجا بنيه وهجا المريّة من لؤمه مات على فريّه قال : وقيل لمعاوية بن أبي سفيان : من رأيت شر الناس ؟ فقال : علقمة بن وائل الحضرمي ، قدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأمرني أن أنطلق به إلى منزل رجل من الأنصار أنزله عليه ، فانطلقت معه وهو على ناقته وأنا أمشي في ساعة حارة وليس علي حذاء ، فقلت : احملني يا عم من هذا الحر فإنه ليس علي حذاء . فقال : لست من أرداف الملوك . قلت : أنا ابن أبي سفيان . قال : قد سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، يقول ذلك . قال فقلت : الق إلي نعليك . قال : لا تقلهما قدماك ، ولكن امش في ظل ناقتي وكفى لك بذلك شرفا ، وإن الظل لك لكثير . فما مر بي مثل ذلك اليوم . ثم أدرك سلطاني فلم أؤاخذه بذلك بل أجلسته على سريري هذا وقضيت حوائجه . ومنهم دريد بن الصمة بن غزية وكان من المعمرين قال : يا بني أوصيكم بالناس شرا ، لا تتبعوا لهم خيرا ، كلموهم نزرا وألحظوهم شزرا ولا تقبلوا لهم عذرا ولا تقيلوهم عثرة ، ثم أنشأ يقول :